عباس حسن
83
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
مستقل ، وكان التعبير عنه مقصورا على الحرف « 1 » . . . فهل نقبل هذه العلل المصنوعة الغامضة ؟ وهل عرف العرب الأوائل الفصحاء قليلا أو كثيرا منها ؟ وهل وازنوا واستخدموا القياس والمنطق وعرفوهما في جاهليتهم ؟ ثم يعود النحاة فيقولون : إن بعض الأسماء قد يبنى لمشابهته الحرف ، مثل : « من » و « أين » و « كيف » وغيرها من أسماء الاستفهام . . . ومثل « من » ، و « ما » وغيرهما من أدوات الشرط والتعليق . . . فأسماء الاستفهام إن دلت على معنى في نفسها فإنها تدل في الوقت ذاته على معنى ثان فيما بعدها ؛ فكلمة : « من » الاستفهامية ، اسم ؛ فهي تدل بمجردها وذاتها على مسمّى خاص بها ، إنسانا غالبا ، أو غير إنسان - وتدل على الاستفهام من خارجها ، بسبب افتراض أن همزة الاستفهام معها تقديرا . . . فكأنك إذا قلت : من عندك ؟ تفترض أن الأصل أمن عندك ؟ وأنهما في تقديرك كلمتان : « الهمزة » ، وهي حرف معنى ، و « من » الدالة على المسمى بها ، أي : على الذات الخاصة التي تدل عليها : « من » فلما كانت « من » لا تستعمل هنا إلا مع الاستفهام المقدر ، استغنى وجوبا عن همزة الاستفهام لفظا ، للزومها كلمة : « من » معنى ، وصارت « من » نائبة عنها حتما ؛ ولذلك بنيت ؛ فدلالتها على الاسمية هي دلالة « لفظية » ، مرجعها لفظها ، ودلالتها على الاستفهام جاءت من خارج لفظها « 2 » . ولا يجوز إظهار الهمزة في الكلام كما تظهر كلمة : « في » مع الظروف جوازا ؛ لأن الأمر مختلف ؛ إذ الظرف ليس متضمنا معنى : « في » بالطريقة السالفة ، فيستحق البناء كما بنيت « من » الاستفهامية ، وإنما كلمة : « في » محذوفة من الكلام جوازا لأجل التخفيف ؛ فهي في حكم المنطوق به ؛ ولذلك يجوز إظهارها . بخلاف الهمزة « 3 » . وكذلك كلمة : « أين » تدل وهي مجردة على معنى في نفسها ، هو : المكان ، وتدل أيضا على الاستفهام فيما بعدها ، وهو معنى آخر جاءها من خارجها ؛ بسبب تقدير همزة الاستفهام معها ، ثم الاستغناء عن الهمزة وجوبا ؛ لوجود ما يتضمن معناها .
--> ( 1 ) أول حاشية الأمير على الشذور ، عند الكلام على الاسم . ( 2 ) شرح المفصل ج 1 القسم الأول - قسم الأسماء . ( 3 ) شرح المفصل ج 2 ص 41 في الظروف .